سيد محمد طنطاوي
336
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
لأولئك الكافرين ، الذين قاتلونا من أجل مخالفتنا لهم في العقيدة ، وحاولوا إخراجنا من ديارنا أو أخرجوا بعضنا بالفعل - وعاونوا غيرهم على إنزال الأذى بنا . هذا ، ويرى بعض العلماء أن الآية الأولى منسوخة . قال القرطبي : قال ابن زيد : كان هذا في أول الإسلام عند الموادعة ، وترك الأمر بالقتال ، ثم نسخ هذا الحكم . قال قتادة : نسخها قوله - تعالى - فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ « 1 » . والذي عليه المحققون من العلماء ، أن الآية محكمة وليست منسوخة ، لأنها تقرر حكما يتفق مع شريعة الإسلام في كل زمان ومكان ، وهو أننا لا نؤذى إلا من آذانا ، ولا نقاتل إلا من أظهر العداوة لنا بأية صورة من الصور . وأقوال النبي صلى اللَّه عليه وسلم وأفعاله تؤيد عدم النسخ ، فقد كان صلى اللَّه عليه وسلم يستقبل الوفود التي تأتيه لمناقشتها في بعض الأمور الدينية ، مقابلة كريمة ، ويتجلى ذلك فيما فعله مع وفد نجران ، ووفد تميم وغيرهما . كذلك مما يؤيد عدم النسخ ، أنه لا تعارض بين هذه الآية ، وبين آية السيف ، لأن الأمر بالقتال إنما هو بالنسبة لقوم يستحقونه ، بأن يكونوا قد قاتلونا أو أخرجونا من ديارنا ، كما جاء في الآية الثانية . وأما الرخصة في البر والصلة ، فهي في شأن الذين لم يقاتلونا ولم يخرجونا من ديارنا ، وهذا ما صرحت به الآية الأولى . ورحم اللَّه الإمام ابن جرير فقد قال بعد أن ذكر الآراء في ذلك : وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال : عنى بقوله - تعالى - : * ( لا يَنْهاكُمُ اللَّه عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ . . ) * جميع أصناف الملل والأديان ، أن تبروهم وتصلوهم وتقسطوا إليهم . . ويشمل ذلك من كانت تلك صفته ، دون تخصيص لبعض دون بعض . ولا معنى لقول من قال : ذلك منسوخ ، لأن بر المؤمن من أهل الحرب ، ممن بينه وبينه قرابة نسب ، أو ممن لا قرابة بينه ولا نسب ، غير محرم ، ولا منهى عنه ، إذا لم يكن في ذلك ، دلالة له أو لأهل الحرب ، على عورة لأهل الإسلام ، أو تقوية لهم بكراع أو سلاح « 2 » .
--> ( 1 ) راجع تفسير القرطبي ج 18 ص 59 . ( 2 ) راجع تفسير ابن جرير ج 28 ص 43 .